ارتفاع صادرات السعودية غير النفطية إلى 7.32 مليار دولار في أغسطس 2024: تحليل معمق لمسار التحول الاقتصادي
يمثل ارتفاع الصادرات غير النفطية السعودية إلى 7.32 مليار دولار في أغسطس 2024 نقطة تحول استراتيجية في مسيرة المملكة نحو بناء اقتصاد متنوع قائم على أسس متينة تواكب رؤية المملكة 2030. هذا الإنجاز الذي أعلنته الهيئة العامة للإحصاء السعودية يؤكد نجاح السياسات الاقتصادية المنتهجة في خلق مصادر دخل بديلة عن النفط، ويبرز قوة قطاعات جديدة بدأت تحقق حضوراً لافتاً على الساحة العالمية. في هذا التحليل الشامل، نستعرض أبعاد هذا الارتفاع، أسبابه، قطاعاته البارزة، وارتباطه بتحولات أوسع في الاقتصاد السعودي.
بلغت قيمة الصادرات غير النفطية للمملكة بما في ذلك إعادة التصدير 27.5 مليار ريال سعودي (ما يعادل 7.32 مليار دولار أمريكي) في أغسطس 2024، مقارنة بـ 25.6 مليار ريال سعودي في الشهر ذاته من العام 2023. وهذا يعني تحقيق زيادة فعلية قدرها 1.9 مليار ريال سعودي (حوالي 505.86 مليون دولار)، بنسبة نمو تصل إلى 7.4% على أساس سنوي.
في المقابل، شهدت الصادرات النفطية تراجعاً ملحوظاً في الفترة نفسها، حيث انخفضت من 77.3 مليار ريال سعودي في أغسطس 2023 إلى 65.3 مليار ريال سعودي في أغسطس 2024، بانخفاض قيمته 12 مليار ريال (ما يعادل 3.2 مليار دولار) بنسبة 15.5%. هذا الانخفاض يعكس تقلبات أسواق النفط العالمية والتغيرات في سياسات الإنتاج ضمن تحالف أوبك+، وأيضاً الاستراتيجية السعودية المتعمدة لتقليل الاعتماد على عوائد النفط الخام.
انعكست هذه التغيرات على إجمالي صادرات السلع السعودية (النفطية وغير النفطية) التي انخفضت من 102.9 مليار ريال سعودي في أغسطس 2023 إلى 92.8 مليار ريال سعودي في أغسطس 2024، بانخفاض نسبته 9.8% أو ما يعادل 10.1 مليار ريال سعودي. أما على صعيد الواردات، فشهدت انخفاضاً طفيفاً بنسبة 3.9% من 67.4 مليار ريال سعودي إلى 64.8 مليار ريال سعودي.
تشير هذه الأرقام إلى تحول تدريجي في هيكل الميزان التجاري السعودي، حيث تشكل الصادرات غير النفطية نسبة متزايدة من إجمالي الصادرات، كما أن الانخفاض في الواردات يعكس سياسات استبدال الواردات وتعزيز الإنتاج المحلي التي تنتهجها المملكة ضمن برامج رؤية 2030.
يشمل مصطلح “الصادرات غير النفطية” مجموعة واسعة من المنتجات والخدمات، أبرزها:
الصناعات التحويلية: تشهد الصناعات التحويلية السعودية نمواً متسارعاً مع تطور قطاعات مثل البتروكيماويات المتقدمة، الصناعات المعدنية، تجهيز الأغذية، والأدوية. المملكة لم تعد مصدرة للبتروكيماويات الأساسية فحسب، بل أصبحت تصدر منتجات مصنعة ذات قيمة مضافة أعلى بكثير.
الصادرات الزراعية والغذائية: حققت المملكة تقدماً لافتاً في تحقيق الأمن الغذائي وتصدير الفائض، خصوصاً في منتجات الدواجن، الألبان، التمور، والفواكه والخضروات المزروعة بتقنيات الزراعة الحديثة والمحمية.
الصادرات الخدمية: تشمل الخدمات اللوجستية، المالية، السياحية، والتقنية. على الرغم من أن البيانات الإحصائية قد لا تفصل بين السلع والخدمات بشكل كامل في بعض التقارير، إلا أن نمو قطاع الخدمات يعتبر أحد أبرز محركات الاقتصاد غير النفطي.
إعادة التصدير: مع تحول المملكة إلى مركز لوجستي عالمي، تزايدت عمليات إعادة التصدير، حيث تدخل السلع إلى الموانئ السعودية ثم تعاد تصديرها بعد عمليات تخزين وتجميع وتعبئة، مما يضيف قيمة اقتصادية دون الحاجة إلى إنتاج محلي.
لا يمكن فهم هذا النجاح الاقتصادي بمعزل عن رؤية المملكة 2030 التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. هذه الرؤية تقوم على ثلاثة محاور رئيسية: مجتمع حيوي، اقتصاد مزدهر، ووطن طموح. وتتجلى آثارها في:
برامج تحقيق الرؤية: مثل برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية (NDLP)، برنامج الشراكات الاستراتيجية، وبرنامج تعزيز الشخصية الوطنية الذي يتضمن تنشيط السياحة والتراث.
الإصلاحات الهيكلية: تبنت المملكة إصلاحات جوهرية في بيئة الأعمال، أنظمة الاستثمار، قوانين العمل، وتمكين المرأة، مما خلق مناخاً جاذباً للاستثمار المحلي والأجنبي.
زيادة الإنفاق الحكومي على المشاريع غير النفطية: تضخ الحكومة استثمارات ضخمة في مشاريع البنية التحتية، المدن الذكية، والقطاعات الإبداعية، مما يحفز النمو في القطاع الخاص.
يشهد قطاع اللوجستيات السعودي تحولاً كبيراً تحت قيادة وزارة النقل والخدمات اللوجستية، مدفوعاً بعدة عوامل:
الموقع الجغرافي الاستراتيجي: تؤكد السعودية على موقعها الفريد الذي يربط ثلاث قارات هي آسيا وأفريقيا وأوروبا، مما يجعلها ممراً تجارياً عالمياً طبيعياً.
الاستراتيجية الوطنية للنقل واللوجستيات: تهدف هذه الاستراتيجية الطموحة إلى وضع السعودية بين أكبر 10 دول في مؤشر أداء الخدمات اللوجستية بحلول 2030، مقارنة بالمركز 38 الذي كانت تحتله سابقاً.
تطوير الموانئ: حققت موانئ السعودية تقدماً ملحوظاً، حيث احتلت المرتبة 15 عالمياً في معالجة الحاويات سنوياً اعتباراً من أغسطس 2024. وقد تم إدراج ثلاثة موانئ سعودية في قائمة لويدز للمئة ميناء لعام 2024، وهي:
نمو الاستثمارات اللوجستية: سجل قطاع اللوجستيات ارتفاعاً بنسبة 76% في تسجيلات الأعمال الجديدة في الربع الثاني من 2024، مما يجعله القطاع الأسرع نمواً في المملكة.
المناطق الاقتصادية الخاصة: أنشأت السعودية عدة مناطق اقتصادية خاصة تقدم حوافز ضريبية وجمركية وتسهيلات إجرائية للمستثمرين في القطاعات غير النفطية.
برنامج “سابك” للتحول الصناعي: يركز على تطوير الصناعات المتقدمة والتحول الرقمي في القطاع الصناعي.
دعم الابتكار والبحث والتطوير: تخصص الحكومة استثمارات كبيرة في مراكز البحث والتطوير، وتشجع الشركات على الابتكار من خلال حوافز مالية وتسهيلات.
المنافسة العالمية الشرسة: تواجه الصادرات السعودية غير النفطية منافسة قوية من دول ذات تاريخ أطول في التصنيع والتصدير، مع اتفاقيات تجارية تفضيلية.
تكاليف الإنتاج: لا تزال تكاليف الطاقة والعمالة في السعودية مرتفعة نسبياً مقارنة ببعض الدول المنافسة، على الرغم من الجهود المبذولة لخفضها.
الاعتماد على المواد الخام المستوردة: بعض الصناعات التحويلية السعودية تعتمد على استيراد المواد الخام ونصف المصنعة، مما يؤثر على هامش الربح والقدرة التنافسية.
التغيرات في الأسواق العالمية: تؤثر التقلبات الاقتصادية العالمية، الحروب التجارية، والتغيرات في السياسات النقدية على الطلب على الصادرات السعودية.
التحولات الجيوسياسية: مع تحول طرق التجارة العالمية وتطور الممرات الاقتصادية الجديدة، يمكن للسعودية أن تصبح مركزاً رئيسياً في سلاسل التوريد العالمية.
اتفاقيات التجارة الحرة: تسعى السعودية لإبرام اتفاقيات تجارة حرة مع دول ومجموعات اقتصادية حول العالم، مما سيفتح أسواقاً جديدة للصادرات غير النفطية.
التحول الرقمي: يمكن للتقنيات الرقمية أن تخفض تكاليف التصدير وتوسع وصول المنتجات السعودية إلى الأسواق العالمية عبر منصات التجارة الإلكترونية.
الاقتصاد الدائري والاستدامة: مع التركيز العالمي على الاستدامة، يمكن للصناعات السعودية التي تركز على الاقتصاد الدائري والطاقة المتجددة أن تجد فرصاً تصديرية كبيرة.
في سبتمبر 2024، حافظت السعودية على معدل تضخم سنوي قدره 1.7% مقارنة بنفس الشهر من العام السابق، وهو معدل معتدل مقارنة بالكثير من الاقتصادات العالمية. ومع ذلك، شهد التضخم زيادة طفيفة قدرها 0.1% مقارنة بأغسطس 2024.
تكاليف السكن: شكلت تكاليف السكن المحرك الرئيسي للتضخم، حيث ارتفعت بنسبة 9.3% على أساس سنوي، مع زيادة إيجارات المنازل بنسبة 11.2% وإيجارات الشقق بنسبة 10%. هذه الفئة تمثل 25.5% من سلة المستهلك، مما يعكس تأثيرها الكبير على التضخم الكلي.
المواد الغذائية والمشروبات: ارتفعت أسعار هذه الفئة بنسبة 0.8%، مدفوعة بزيادة قدرها 5.2% في أسعار الخضروات.
قطاع المطاعم والفنادق: سجل ارتفاعاً بنسبة 1.7%، بسبب زيادة قدرها 1.5% في أسعار خدمات التموين.
التعليم: ارتفع بنسبة 1.6%، نتيجة زيادة قدرها 3.8% في رسوم التعليم المتوسط والثانوي.
النقل: انخفضت تكاليف النقل بنسبة 3.3%، تأثراً بانخفاض قدره 4.5% في أسعار شراء المركبات.
الأثاث ومعدات المنزل: انخفضت أسعارها بنسبة 3.7%.
الملابس والأحذية: تراجعت أسعارها بنسبة 3.2%.
ارتفعت أسعار الجملة بنسبة 3.1% على أساس سنوي في سبتمبر 2024، مدفوعة بزيادة قدرها 8% في أسعار السلع الأخرى القابلة للنقل و12% في أسعار المواد الكيميائية الأساسية والمنتجات النفطية المكررة. هذا الارتفاع قد ينذر بتضخم مستقبلي في أسعار المستهلك إذا انتقلت هذه التكاليف إلى المستهلك النهائي.
يساهم نمو الصادرات غير النفطية في خلق فرص عمل جديدة للمواطنين السعوديين، خصوصاً في القطاعات الصناعية واللوجستية والخدمية. هذا يتوافق مع أهداف برنامج التوطين (السعودة) الذي يهدف إلى رفع نسبة العمالة الوطنية في القطاع الخاص.
يسهم نمو الصادرات في تنمية المناطق خارج المدن الرئيسية، حيث تتركز العديد من المشاريع الصناعية واللوجستية في مناطق مختلفة من المملكة، مما يساعد في تحقيق التوازن التنموي الإقليمي.
يتطلب تطوير الصادرات غير النفطية مهارات متخصصة في الإنتاج، الجودة، التسويق الدولي، واللوجستيات. هذا يحفز الاستثمار في التعليم والتدريب المهني والتقني.
يقلل تنويع مصادر الدخل من حدة التقلبات التي تسببها تقلبات أسعار النفط، مما يوفر استقراراً أكبر للموازنة العامة وللاقتصاد ككل.
الإمارات العربية المتحدة: نجحت في تحويل دبي إلى مركز عالمي للتجارة والخدمات المالية والسياحة، مما يوفر نموذجاً يمكن الاستفادة منه في تطوير قطاع الخدمات.
ماليزيا: تحولت من دولة تعتمد على تصدير المواد الخام إلى مركز لصناعة الإلكترونيات والخدمات المالية، من خلال سياسات صناعية واضحة واستثمار في التعليم التقني.
كوريا الجنوبية: بنت اقتصاداً صناعياً قوياً من خلال دعم الصناعات الاستراتيجية والاستثمار الكبير في البحث والتطوير.
يتميز النموذج السعودي بخصائص فريدة تجمع بين:
تشير المؤشرات إلى استمرار نمو الصادرات غير النفطية السعودية في السنوات القادمة، مدعومة بعدة عوامل:
المشاريع الضخمة: مشاريع مثل نيوم، القدية، البحر الأحمر، ومدينة وايزنس باي ستخلق طلباً على المواد والخدمات وستنتج سلعاً وخدمات قابلة للتصدير.
التكامل الإقليمي: تحسين العلاقات الاقتصادية مع الدول المجاورة وزيادة التبادل التجاري ضمن مجلس التعاون الخليجي والعالم العربي.
التحول الرقمي: اعتماد التقنيات الرقمية في العمليات الإنتاجية والتسويقية سيزيد من كفاءة وقدرة الصادرات السعودية على المنافسة.
السيناريو المتفائل: تحقيق نمو سنوي مرتفع في الصادرات غير النفطية، مع تحول هيكلي يجعلها تتجاوز الصادرات النفطية في غضون عقد من الزمن.
السيناريو المعتدل: استمرار النمو بمعدلات معقولة، مع بقاء الصادرات النفطية المهيمنة ولكن مع تراجع تدريجي لنسبتها.
السيناريو المحافظ: مواجهة تحديات عالمية تقلل من وتيرة النمو، مع بقاء الاعتماد الرئيسي على النفط لوقت أطول.
يمثل ارتفاع الصادرات غير النفطية السعودية إلى 7.32 مليار دولار في أغسطس 2024 علامة فارقة في مسيرة التحول الاقتصادي التي تقودها المملكة. هذا الإنجاز هو ثمرة سياسات واستراتيجيات طموحة تهدف إلى بناء اقتصاد متنوع ومستدام، قادر على مواجهة التحديات العالمية والتغيرات في أسواق الطاقة.
النجاح في زيادة الصادرات غير النفطية بنسبة 7.4% في ظل انخفاض الصادرات النفطية بنسبة 15.5% يؤكد أن مسار التنويع الاقتصادي يسير في الاتجاه الصحيح، وأن الجهود المبذولة في تطوير البنية التحتية، تحسين بيئة الأعمال، ودعم القطاعات الواعدة بدأت تؤتي ثمارها.
ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات كبيرة تتطلب استمرار الجهود والإصلاحات. إن تحويل الاقتصاد من الاعتماد شبه الكلي على مورد واحد إلى اقتصاد متنوع ومبتكر هي عملية معقدة وتستغرق وقتاً، لكن المؤشرات الحالية تظهر أن المملكة تسير على الطريق الصحيح.
الارتفاع في الصادرات غير النفطية ليس مجرد رقم إحصائي، بل هو مؤشر على تحول أعمق في الهيكل الاقتصادي السعودي، ونافذة على مستقبل تكون فيه المملكة لاعباً رئيسياً في الاقتصاد العالمي من خلال منتجات وخدمات متنوعة وعالية الجودة، وليس فقط من خلال صادرات النفط الخام.